أحدث المقالات

“مردود الجمال”.. كيف يؤثّر جمال المدن في نموها الاقتصادي؟

تاريخ النشر : 2020/07/18

في ظاهرة يسميها الاقتصاديون مردود الجمال "beauty premium”، يميل الأشخاص ذوو المظهر الأفضل إلى كسب المزيد من المال، وهم أكثر نجاحاً في حياتهم المهنية. لكن: هل تستفيد المدن أيضاً من "مردود الجمال"؟ وفقاً لدراسة جديدة أجراها اثنان من خبراء الاقتصاد الحضري يبدو أن الأمر كذلك.

وجدت مجموعة من الدراسات السابقة بالفعل صلة بين النمو الاقتصادي وجودة المرافق الحضرية، لكن هذه الدراسة؛ التي أعدّها جيرالد كارلينو وألبرت سايز من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، تبحث العلاقة بين مؤشرات النمو الرئيسية وبين جمال المدينة من خلال مواقع الجذب التي تحتويها. ولذلك، قام الباحثان بقياس الجمال في المدن بطريقة فريدة، إذ قاما بتتبع الزيارات السياحية وصور المواقع الجميلة من تطبيق Panoramio، وهو تطبيق لمشاركة الصور يقوم بوضع علامات جغرافية وتجميع صور لأماكن ذات مناظر خلابة حول العالم. وقارنت الدراسة مقياسها الخاص للجمال الحضري بالمقاييس الأكثر رسوخاً للمرافق الحضرية الجميلة مثل: الحدائق، والمناطق التاريخية، والقرب من السواحل، والمسطحات المائية، والمرتفعات الجبلية، وحجم صناعة السياحة، وغيرها. كما نظر الباحثان إلى عمليات تجديد وتطوير الأحياء في وسط المدينة وفي أطرافها من 1990 إلى 2010.

وحتى لا يتوهّم القارئ فإننا لا نقصد بمفهوم الجمال في المدن التشجير والأرصفة فقط - وهي مهمة - وإنما نقصد به هنا المناظر الطبيعية الخلّابة والحدائق العامة ذات الطابع الفريد والمكتبات والمتاحف والمراكز الثقافية والمجسمات الفنية الفريدة والميادين، وغيرها من المشاريع التي قد تندرج تحت مسمى نقاط الجذب وأماكن التجمع. وجدت الدراسة دليلاً على وجود علاقة واضحة بين الجمال وبين نمو المدن والأحياء، فالمدينة التي شهدت تضاعفاً في عدد المواقع الجميلة شهدت نمواً بنسبة 10 في المئة أو أكثر في عدد السكان والوظائف من 1990 إلى 2010. كما ارتبط جمال المدن بمعدل ضرائب أقل باعتباره أهم مؤشر للنمو السكاني العام في المدن. وإضافة إلى ذلك، تجذب هذه المدن أعداداً هائلة من خريجي الجامعات. حيث شهدت المدن الأكثر جمالاً زيادةً بنسبة 3 في المئة تقريباً في عدد خريجي الجامعات مقارنة بأدنى المدن جمالاً.

وخلصت الدراسة إلى أن جمال المدينة لا يرتبط بحجمها، فالأماكن الصغيرة والمتوسطة الحجم التي تضم المزيد من الحدائق والمباني التاريخية، والتي تكون قريبة من مسطحات المياه والمرتفعات الجبلية، والتي تكون سماؤها صافية، تعتبر جميلة أيضاً. كما حدد الباحثون نوعاً جديداً من الأحياء التي تجذب سكاناً جدداً يتمثل في المنطقة الترفيهية المركزية (CRD)، التي تنتشر فيها الحدائق والأماكن التاريخية والمعالم والوجهات السياحية، - وغالباً ما تكون مواقع "Instagrammable"؛ أي مواقع تصويرها مناسب لتطبيق الانستقرام. وخذ على سبيل المثال السائحين الذين يتدفقون على طول High Line في مدينة نيويورك، وهو متنزه عمره عقد من الزمان تم إنشاؤه على خطوط السكك الحديدية السابقة المرتفعة بشكل غير مرئي. وكتب الباحثون: "على الرغم من الظروف الاقتصادية الأولية الأسوأ، تمكنت CRDs من النمو بشكل أسرع من الأحياء الأخرى". زادت الإيجارات والدخل والتعليم بشكل أسرع نسبياً في هذه الأحياء الجميلة على حساب الاستقطاب الاجتماعي (قدوم فئة مرتفعي الدخل ونزوح فئة منخفضي الدخل).

الأماكن الجميلة لا توجد بشكل طبيعي فحسب، إنها نتاج السياسة العامة والاستثمار. بالطبع، تتمتع بعض الأماكن بجمال طبيعي أكثر من خلال قربها من شواطئ ساحلية مذهلة أو سلاسل جبلية ذات مناظر خلابة. لكن يمكن للمدن أن تجعل نفسها أكثر جمالاً - وبالتالي أكثر جاذبية للمتعلمين والأثرياء - من خلال الاستثمار في صورة المدينة والحدائق العامة وحماية المعالم والمناطق التاريخية والمتاحف والمجسمات الجمالية وغيرها من نقاط الجذب.

يمُكن للمدن الكبرى الاستفادة من نظرية "مردود الجمال" في إعادة التوازن لجسد المدينة، وتوجيه النمو نحو المناطق البيضاء التي تفصل جسد المدينة، والإسهام في حل قضية الزحف العمراني المفرط من خلال الاستثمار بمشاريع التجميل، لترجمة مخططاتها الاستراتيجية وتحقيق بيئة سكنية جاذبة. لا يختلف اثنان على الجمال الذي أضفاه كلٌ من: مركز الملك عبدالعزيز الثقافي (إثراء) على حاضرة الدمام، والبوليفارد في الرياض، وشارع الفن في أبها، وغيرها من نقاط الجذب، التي حتماً سيكون "مردود الجمال" لها أكبر إذا لم تكن لغرض السياحة والترفيه فقط؛ بل لتتكامل مع المخطط الاستراتيجي للمدن وتحقق أهدافاً لخدمة نطاق المدينة الأشمل وتتماشى مع هويتها وقيمها المحلية.

في حالة المدن المتوسطة والصغيرة، فإنها في الغالب تمتلك بالفعل مقومات الجمال؛ بما تحويه من أصول طبيعية وهواء نقي، لكن هذه المقومات لا تكفي حتى تكسب منها مردوداً اقتصادياً معتبراً، حيث يجب أن يُنظر لهذه المقومات الطبيعية بشكل استراتيجي من ناحية صناعة السياحة، وإعطائها الدعم اللازم من مرافق متكاملة وخدمات لوجستية لكي تبرز هذا الجمال وتجعله جذّاباً، وقد يكون استخدام نظرية مردود جمال المدينة أداة فعالة لتحقيق هجرة عكسية من المدن الكبرى، وعودة كثير من سكانها إلى مواطنهم، ناهيك عن المردود السياحي والحيوية الحضرية.

ختاماً..

علينا أن ندرك أن هنالك عوامل تقلل من جمال المدن؛ مهما كانت متكاملة وظيفياً وبصرياً وتملك مواقع جاذبة وخلابة. فالتفاوت الاقتصادي الشاسع يؤثر سلباً - بشكل لا جدال فيه - في كيفية إدراك الآخرين لجمال المدن، وعدم تلبية احتياجات الفئات المختلفة كذوي الإعاقة والأطفال وكبار السن والعوائل والشباب والنساء على حد سواء. كما أن نقاط الجذب قد تأتي بردة فعل عكسية إذا كانت مستنسخة من مدن عالمية ولا تتماشى مع الهوية المحلية. وفي الوقت ذاته يمكن لصانعي السياسة الحضرية استثمار مشاريع الارتقاء الحضري في تكريس العائدات المتزايدة منها لتطوير مشاريع لصالح الإسكان ميسور التكلفة، وتنمية القوى العاملة، وتقليل التفاوت الاقتصادي، وتعزيز الهوية المحلية. وهي فرصة لإعادة النظر في أن تكون المدن صديقة للإنسان بكافة فئاته، لكي تصبح أكثر جاذبية للجميع. فالمدينة الأكثر شمولاً هي المدينة الأكثر جمالاً.

برامج مشاريع السعودية

مساكن

آكام

مشاريع الرواد

عن الشركة

متابعون للمشاريع والتنمية وتطورات الاقتصاد السعودي منذ 2011، بدأت رحلتنا كفريق تطوعي شغوف بما يحمل المستقبل، وتطورت أعمالنا وزدنا احترافية، حتى أصبحت مشاريع السعودية اليوم منصة إعلامية رقمية ضخمة، بفريق عمل متمكن بخلفيات وخبرات متنوعة

مشاهدة المزيد

الاشتراك في النشرة البريدية

منصة إعلامية مختصة بمتابعة المشاريع والتنمية في الممكلة

التسجيل الآن