تاريخ النشر : 2020/06/30
مشاركة عبر :
م.مشعل القاسم

مهندس صناعي، متخصص في تطوير الأعمال والتسويق، مهتم بالتنمية والتقنية والإبداع

عندما أخرج من طريق رئيسي في إحدى المدن السعودية لأدخل أحد الأحياء السكنية أشعر كأني أدخل مقبرة صماء جرداء؛ لا تتنفس ولا تتحرك ولا تتفاعل، أشعر كأنه قد حكم عليّ بأن أعيش وحدي، أو أن سكان البيوت لا يريدون التحدث إليّ أو إلى المارة ولا يطيقونهم، لذلك ترى الجار يسكن بجوار جاره لا يعرفه ولا يعرف أبناءه، وأصبحت تلك الأسوار سبباً للتباعد الاجتماعي والعزلة القسرية التي اخترناها بأنفسنا، فليس الجميع يصلي في مسجد الحي، وليس هناك الكثير من أماكن التجمع الأخرى لتكسر حاجز الأسوار!

عرفت الأسوار للحماية والصد والردع، فهي حصون الدول والمدن قديماً قبل تطوّر الأنظمة والتقنيات المختلفة، وكانت الدرع التي تدفع الأعداء والسارقين، وكانت أبواب المدن تقفل في الليل وتفتح في النهار، وفي شارع الثميري في قلب الرياض ستجد أحد هذه الأبواب التاريخية لا يزال شاهداً على تلك الحقبة التاريخية، والسؤال اليوم: لماذا انتقلت الأسوار من حماية المدن إلى حماية المنازل؟ وممن؟ في بلد عمَّه الأمن والأمان، وفيه نظام يحكم ويضبط وقضاء ينصف ويحاسب.

عندما يأتي الليل وأنا في لندن أو باريس أو على أطراف منهاتن في نيويورك فإني أتجول في أحيائها متنقلًا من سكة لأخرى ومن شارع لآخر، فالمكان لطيف والإطلالات مبهجة، والناس تسير في الطرقات هنا وهناك، وتشعر بمدن حية كأنها بيت كبير واحد، فالشوارع صغيرة نوعاً ما، والأرصفة تملأ المكان، والبيوت ترحب بك رغم أن أبوابها مغلقة، فليست فيها أسوار تطرد الزائرين وتنفّر النفوس من الاقتراب كأنك مغترب تنكرت له المدينة!

يقولون وضعناها للخصوصية السعودية! والخصوصية هنا تعني أن نتباعد ولا يثق بعضنا ببعض، وأن نفترض أن الجيران يريدون كشف أسرارنا ولا نثق بهم، ولذلك يجب أن نضع الأسوار. ثم يحتج آخر بأنها لجلب الأمان، ولا أدري: كيف لأحواش يمكن للسارق أن يعثو داخلها الفساد دون أن يراه أحد أن يكون وضعها أكثر أماناً مما لو أن الفيلا كلها مكشوفة للحي وبلا أسوار خارجية تحيط بها، فلو همّ بها سارق فهي تحت أنظار الحارة بأكملها؟!

وكما هو معلوم في التسويق؛ فإن تجربة العميل هي أهم ما يجعل المنتج ناجحاً أو فاشلاً مقارنة بمنافسيه، وإن كنا سننظر للسيّاح من هذه الزاوية؛ فإننا سنركز كثيراً على تجربتهم في دولة جديدة مختلفة ليست كدولتهم، فهل ستكون ثقافتها مرحبة ومناطقها مشجّعة لزوارها للمكث فيها أوقاتاً طويلة أم لا؟

إني أرى الأسوار ثقافة يجب أن تنتهي وتذهب بلا عودة، وأن تعود المنازل كما كانت في السابق اجتماعية تدعو الزائرين إليها ولا تنفّرهم، وللفناء أفكار كثيرة في كيفية استغلاله؛ مع المحافظة على مستوى مقبول من الخصوصية التي تحتاجها بعض الأسر، كأن يكون داخل المنزل، أو يكون في الخلف بسور صغير خاص به؛ وهكذا، والمهم هنا هو أن تكون أحياؤنا جميلة وجاذبة لنا ثم لضيوفنا في المستقبل.

الاشتراك في النشرة البريدية

منصة إعلامية مختصة بمتابعة المشاريع والتنمية في الممكلة

التسجيل الآن